ابن أبي الحديد
449
شرح نهج البلاغة
الآفاق فغطاها ، ثم ارتجس فهمهم ، ثم دوى فأظلم ، فأرك ودث ، وبغش وطش ، ثم قطقط فأفرط ، ثم ديم فأغمط ، ثم ركد فأثجم ، ثم وبل فسجم ، وجاد فأنعم ، فقمس الربا ، وأفرط الزبى سيعا ( 1 ) تباعا ، يريد انقشاعا ، حتى إذا ارتوت الحزون ، وتضحضحت المتون ، ساقه ربك إلى حيث يشاء ، كما جلبه من حيث شاء . قلت : العارض : سحاب يعترض في الأفق . واعتن : اعترض . وأشجاها : ملأها فكان كالشجي في حلقها . وارتجس : صوت . والهمهمة : صوت الرعد . ودوى : أحدث دويا . فأظلم : أعدم الضوء من الأرض بتكاثفه . فأرك : أي مطر ركا ، والرك : المطر الضعيف ، وكذلك الدث والبغش والطش ، وفوق ذلك القطقط . وديم : صار ديمة وهي المطر أياما لا يقلع . وأغمط ، أي دام . وأثجم : أقام . ووبل : جاء بالوابل ، وهو المطر العظيم : وسجم : صب . وأنعم : بالغ . وقمس : غوص في الماء . وأفرط الزبى : ملأها ، جمع زبية ، وهي حفيرة تحفر للوحوش في مكان مرتفع . والحزون : جمع حزن ، وهو ما غلظ من الأرض . والمتون : جمع متن ، وهو الصلب من الأرض . وتضحضحت : صار فوقها ضحضاح من الماء ، وهو الرقيق . * * * ومن ذلك ما رواه أبو حاتم أيضا ، عن الأصمعي ، قال : سألت أعرابيا عن مطر أصابهم بعد جدب ، فقال : ارتاح لنا ربك بعد ما استولى اليأس على الظنون ، وخامر القلوب القنوط ، فأنشأ بنوء الجبهة قزعة كالقرص ، من قبل العين ، فاحزألت عند ترجل النهار لأدهم السرار ، حتى إذا نهضت في الأفق طالعة ، أمر مسخرها الجنوب فتبسمت لها ، فانتثرت ( 2 ) أحضانها ، واحمومت أركانها ، وبسق عنانها ، واكفهرت رحاها ، وانبعجت كلاها ، وذمرت
--> ( 1 ) ساع الماء سيعا : جرى واضطرب ، وفى الأصول : ( سبعا ) تصحيف . ( 2 ) ب : ( فانتشرت ) .