ابن أبي الحديد
433
شرح نهج البلاغة
يحملونها بمنزلة الأساطين التي تحمل السقوف العالية ولم يرشحوا لأمر من الأمور سوى ذلك . * * * البحث الرابع : فيما يجوز من الملائكة وما لا يجوز . قال شيخنا أبو القاسم : حكى أبو الحسن الخياط عن قدماء المعتزلة ، أنه لا يجوز أن يعصى أحد من الملائكة ، ولم يذكر عنهم علة في ذلك . وقال قوم : إنهم لا يعصون ، ولا يجوز أن يعصوا ، لأنهم غير مطيقين الشهوة والغضب ، فلا داعي لهم إلى المعصية ، والفاعل لا يفعل إلا بداع إلى الفعل . وقال قوم : إنهم لا يعصون ، لأنهم يشاهدون من عجائب صنع الله وآثار هيبته ما يبهرهم عن فعل المعصية والقصد إليها ، وكذلك قال تعالى : ( وهم من خشيته مشفقون ) ( 1 ) . وقال قوم : إنما لم يجز أن يعصوا ، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا يعصون ، ولا ينكر مع ذلك أن يكون منهم من يتغير حاله ويتبدل بها حالة أخرى ويعصى ، على ما ورد من خبر الملكين ببابل ، وخبر إبليس ، وإنما يسلب عنهم المعصية ما داموا على حالهم التي هي عليها . وقال شيوخنا أصحاب أبي هاشم رحمه الله تعالى : إن المعصية تجوز عليهم ، كما تجوز علينا ، إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا يمتنعون معها من القبيح لفعلها ، فامتنعوا من فعل القبيح اختيارا ، فكانت حالهم كحال الأنبياء من البشر يقدرون على المعصية ولا يفعلونها ،
--> ( 1 ) سورة الأنبياء 28 .