ابن أبي الحديد

432

شرح نهج البلاغة

البحث الثاني في بنية الملائكة ، وهيئة تركيبهم ، قال أصحابنا المتكلمون : إن الملائكة أجسام لطاف ، وليسوا من لحم ودم وعظام ، كما خلق البشر من هذه الأشياء ، وقال أبو حفص المعود القرينسي من أصحابنا : إن الملائكة من أجسام من لحم وعظم : إنه لا فرق بينهم وبين البشر ، وإنما لم يروا لبعد المسافة بيننا وبينهم . وقد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر ، وهي مقالة ضعيفة لان القرآن يشهد بخلافه في قوله : ( ورسلنا لديهم يكتبون ) ( 1 ) وقوله : ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ) ( 2 ) ، فلو كانوا أجساما كثيفة كأجسامنا لرأيناهم . * * * البحث الثالث في تكليف الملائكة ، حكى عن قوم من الحشوية أنهم يقولون : إن الملائكة مضطرون إلى جميع أفعالهم ، وليسوا مكلفين . وقال جمهور أهل النظر : إنهم مكلفون . وحكى عن أبي إسحاق النظام ، أنه قال : إن قوما من المعتزلة قالوا : إنهم جبلوا على الطاعة لمخالفة خلقهم خلقة المكلفين ، وأنهم قالوا : لو كانوا مكلفين لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به ، وقد قال تعالى : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) ( 3 ) . وقال قوم : إن أكثر الملائكة مكلفون ، وأن فيهم من ليس بمكلف بل هو مسخر للملائكة المكلفين ، كما أن الحيوانات ما هو غير مكلف بل هو مسخر للبشر ومخلوق لمصالحهم . قالوا : ولا ننكر أن يكون الملائكة الذين ذكر منهم أنهم غلظ الأجسام وعظم الخلق والتركيب بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض ، قد جعلوا عمدا للسموات والأرض ، فهم

--> ( 1 ) سورة التحريم ! ( 2 ) سورة الزخرف 80 . ( 3 ) سورة ق 17 .