ابن أبي الحديد
427
شرح نهج البلاغة
السلام تلك المواطن الشريفة المقدسة العالية التي فوق الفلك ، حظائر القدس ، والقدس بتسكين الدال وضمها : الطهر ، والتقديس : التطهير ، وتقدس : تطهر . والأرض المقدسة المطهرة ، وبيت المقدس أيضا ، والنسبة إليه قدسي ومقدسي . والسترات : جمع سترة . والرجيج : الزلزلة والاضطراب ، ومنه ارتج البحر . وتستك الاسماع : تنسد . قال النابغة : ونبئت خير الناس أنك لمتني * وتلك التي تستك منها المسامع . سبحات النور ، بضم السين والباء : عبارة عن جلالة الله تعالى وعظمته . وتردع الابصار تكفها . وخاسئة ، أي سادرة ، ومنه : ( ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) وخسأ بصره ، خسأ وخسوءا ، أي سدر . وقوله : ( على حدودها ) أي تقف حيث تنتهي قوتها ، لان قوتها متناهية ، فإذا بلغت حدها وقفت . وقوله : ( أولى أجنحة ) ( 2 ) من الألفاظ القرآنية . وقوله : ( لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ) أي لا يدعون الإلهية لأنفسهم ، وإن كان قوم من البشر يدعونها لهم . وقوله : ( لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به ) ، فيه إشارة إلى مذهب أصحابنا في أن أفعال العباد مخلوقة لهم ، لان فائدة هذا القيد ، وهو قوله : ( انفرد به ) إنما تظهر بذلك . وأما الآيات المقدسة ، فالرواية المشهورة ( مكرمون ) وقرئ : ( مكرمون ) بالتشديد . وقرئ ( لا يسبقونه ) بالضم ، والمشهور القراءة بالكسر ، والمعنى أنهم يتبعون قوله ، ولا يقولون شيئا حتى يقوله ، فلا يسبق قولهم قوله ، وأراد أن يقول ( لا يسبقونه بقولهم ) ، فحذف الضمير المضاف إليه ، وأناب اللام منابه .
--> ( 1 ) سورة الملك 4 ( 2 ) من قوله تعالى في سورة فاطر : ( جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة ) .