ابن أبي الحديد

426

شرح نهج البلاغة

فالمذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة ، إما في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا ، أو يتعلق بحرب وقتال ، من ترغيب أو ترهيب ، فأما الكلام في الملائكة وصفاتها وصورها وعباداتها ، وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبها له ، وولهها إليه ، وما جرى مجرى ذلك مما تضمنه هذا الفصل على طوله ، فإنه لم يكن معروفا عندهم على هذا التفصيل ، نعم ربما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم ، ولا مرتبة هذا الترتيب ، بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم ، وأما من عنده علم من هذه المادة ، كعبد الله بن سلام وأمية بن أبي الصلت وغيرهم ، فلم تكن لهم هذه العبارة ، ولا قدروا على هذه الفصاحة ، فثبت أن هذه الأمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة ، لم تحصل إلا لعلى وحده . وأقسم أن هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده ، ورجف قلبه ، واستشعر عظمة الله العظيم في روعه وخلده ، وهام نحوه وغلب الوجد عليه ، وكاد أن يخرج من مسكه شوقا ، وأن يفارق هيكله صبابة ووجدا . ثم نعود إلى التفسير فنقول : الصفيح الأعلى : سطح الفلك الأعظم ، ويقال لوجه كل شئ عريض : صفيح وصفحة . والفروج : الأماكن الخالية . والفجاج جمع فج ، والفج ، الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين . وأجوائها جمع جو ، وهو ما اتسع من الأودية ، ويقال لما بين السماء والأرض جو ويروى : ( أجوابها ) ، جمع جوبة ، وهي الفرجة في السحاب وغيره ويروى . ( أجوازها ) جمع جوز ، وهو وسط الشئ . والفجوات : جمع فجوة ، وهي الفرجة بين الشيئين ، تقول منه : تفاجى الشئ ، إذا صار له فجوة ، ومنه الفجاء ، وهو تباعد ما بين عرقوبي البعير . والزجل : الصوت . وحظائر القدس : لفظة وردت في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأصل ( الحظيرة ) ما يعمل شبه البيت للإبل من الشجر ليقيها البرد ، فسمى عليه