ابن أبي الحديد
425
شرح نهج البلاغة
بلزوم طاعته ، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على ( 1 ) اجتهادهم . لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم ، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم . ولم يفرقهم سوء التقاطع ، ولا تولاهم غل التحاسد ، ولا تشعبتهم مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول ، ولا ونى ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما ، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما . * * * الشرح : هذا موضع المثل : ( إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ) ( 2 ) ! إذا جاء هذا الكلام الرباني ، واللفظ القدسي ، بطلت فصاحة العرب ، وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه ، نسبة التراب إلى النضار الخالص ، ولو فرضنا أن العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة ، أو المقاربة لهذه الألفاظ ، من أين لهم المادة التي عبرت هذه الألفاظ عنها ، ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وآله هذه المعاني الغامضة السمائية ، ليتهيأ لها التعبير عنها ! أما الجاهلية فإنهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش ، أو ثور فلاة ، أو صفة جبال أو فلوات ، ونحو ذلك . وأما الصحابة
--> ( 1 ) ج : ( في اجتهادهم ) . ( 2 ) نهر معقل : منسوب إلى معقل بن يسار بن عبد الله المزني ، ذكر ياقوت عن الواقدي أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يحفر نهرا بالبصرة وأن يجريه على يد معقل بن يسار ، فنسب إليه .