ابن أبي الحديد

424

شرح نهج البلاغة

وهيبة جلاله في أثناء صدورهم ، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم . ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح ، وفى عظم الجبال الشمخ ، وفى قترة الظلام الأيهم . ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى ، فهي كرايات بيض ، قد نفذت في مخارق الهواء ، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم أشغال عبادته ، ووصلت حقائق الايمان بينهم وبين معرفته ، وقطعهم الإيقان به إلى الوله إليه ، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته ، وشربوا بالكأس الروية من محبته ، وتمكنت من سويداوات قلوبهم وشيجة خيفته ، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم ، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم ، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم ، ولا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم ، ولم تجر الفترات فيهم على طول دءوبهم ، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم ، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم ، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم . ولا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات . قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ، لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار