ابن أبي الحديد

416

شرح نهج البلاغة

الأصل : ومنها : قدر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبره فألطف تدبيره ، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته ، فكيف وإنما صدرت الأمور عن مشيئته ! المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتم خلقه بأمره وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، لم يعترض دونه ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكئ ، فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرقها أجناسا مختلفات ، في الحدود والاقدار ، والغرائز والهيئات ، بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها . * * * الشرح : الوجهة ، بالكسر : الجهة التي يتوجه نحوها ، قال تعالى : ( ولكل وجهة هو موليها ) . والريث : البطء والمتلكئ : المتأخر . والأود : الاعوجاج . ولاءم بين كذا وكذا : أي جمع ، والقرائن هنا : الأنفس ، واحدتها قرونة ، وقرينة ، يقال : سمحت قرينته وقرونته ، أي أطاعته نفسه وذلت ، وتابعته على الامر ، وبدايا . هاهنا : جمع بدية ،

--> ( 1 ) البقرة 148 .