ابن أبي الحديد

417

شرح نهج البلاغة

وهي الحالة العجيبة ، أبدأ الرجل إذا جاء بالامر البدئ ، أي المعجب ، والبدية أيضا : الحالة المبتدأة المبتكرة ، ومنه قولهم : فعله بادئ ذي بدئ على وزن ( فعيل ) ، أي أول كل شئ . ويمكن أن يحمل كلامه أيضا على هذا الوجه . وأما خلائق ، فيجوز أن يكون أضاف ( بدايا ) إليها ، ويجوز ألا يكون أضافه إليها بل جعلها ( 1 ) بدلا من ( أجناسا ) . ويروى ( برايا ) جمع برية . يقول عليه السلام : إنه تعالى قدر الأشياء التي خلقها ، فخلقها محكمة على حسب ما قدر . وألطف تدبيرها ، أي جعله لطيفا ، وأمضى الأمور إلى غاياتها وحدودها المقدرة لها ، فهيأ الصقرة للاصطياد ، والخيل للركوب والطراد ، والسيف للقطع ، والقلم للكتابة ، والفلك للدوران ونحو ذلك ، وفى هذا إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وآله : ( كل ميسر لما خلق له ) ، فلم تتعد هذه المخلوقات حدود منزلتها التي جعلت غايتها ، ولا قصرت دون الانتهاء إليها ، يقول : لم تقف على الغاية ولا تجاوزتها . ثم قال : ولا استصعبت وامتنعت إذا أمرها بالمضي إلى تلك الغاية بمقتضى الإرادة الإلهية ، وهذا كله من باب المجاز ، كقوله تعالى : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ( 2 ) . وخلاصة ذلك الإبانة عن نفوذ إرادته ومشيئته . ثم علل نفى الاستصعاب فقال : وكيف يستصعب ، وإنما صدرت عن مشيئته ! يقول : إذا كانت مشيئته هي المقتضية لوجود هذه المخلوقات ، فكيف يستصعب عليه بلوغها إلى غاياتها التي جعلت لأجلها ! وأصل وجودها إنما هو مشيئته ، فإذا كان أصل وجودها بمشيئته ، فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها ، وهو فرع من فروع وجودها وتابع له .

--> ( 1 ) ا : ( بجعلها ) . ( 2 ) سورة فصلت 11 .