ابن أبي الحديد

415

شرح نهج البلاغة

كانت الجاهلية تعبدها ، وأعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت أوهامهم ذلك ، من حيث لم يألفوا أن يكون القادر الفاعل العالم إلا جسما ، وجعلوك مركبا ومتجزئا ، كما تتجزأ الأجسام ، وقدروك على هذه الخلقة ، يعنى خلقة البشر المختلفة القوى ، لأنها مركبة من عناصر مختلفة الطبائع . ثم كرر الشهادة فقال : أشهد أن من ساواك بغيرك ، وأثبت أنك جوهر أو جسم فهو عادل بك كافر . وقالت تلك الخارجية للحجاج : ( أشهد أنك قاسط عادل ) ، فلم يفهم أهل الشام حوله ما قالت ، حتى فسره لهم ، قال عليه السلام فمن يذهب إلى هذا المذهب فهو كافر بالكتاب ، وبما دلت عليه حجج العقول . ثم قال : وإنك أنت الله ، أي وأشهد أنك أنت الله الذي لم تحط العقول بك ، كإحاطتها بالأشياء المتناهية ، فتكون ذا كيفية . وقوله : ( في مهب فكرها ) استعارة حسنة ، ثم قال : ( ولا في رويات خواطرها ) ، أي في أفكارها . محدود ، إذ حد مصرفا : أي قابلا للحركة والتغير . وقد استدل بعض المتكلمين على نفى كون الباري ، سبحانه جسما بما هو مأخوذ من هذا الكلام ، فقال : لو جاز أن يكون الباري جسما ، لجاز أن يكون القمر هو إله للعالم ، لكن لا يجوز أن يكون القمر إله العالم ، فلا يجوز أن يكون الباري جسما ، بيان الملازمة أنه لو جاز أن يكون الباري سبحانه جسما ، لما كان بين الإلهية وبين الجسمية منافاة عقلية ، وإذا لم يكن بينهما منافاة عقلية أمكن اجتماعهما ، وإذا أمكن اجتماعهما جاز أن يكون القمر هو إله العالم ، لأنه لا مانع من كونه إله العالم إلا كونه جسما يجوز عليه الحركة ، والأفول ونقصان ضوئه تارة وامتلاؤه أخرى ، فإذا لم يكن ذلك منافيا للإلهية ، جاز أن يكون القمر إله العالم ، وبيان الثاني إجماع المسلمين على كفر من أجاز كون القمر إله العالم ، وإذا ثبتت الملازمة وثبتت المقدمة الثانية فقد تمت الدلالة . * * *