ابن أبي الحديد
414
شرح نهج البلاغة
( المحتجة ) ، فمن قال : ( المحتجة ) ، أراد أنها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه ، ومن قال : ( المحتجبة ) أراد المستترة ، لان تركيبها الباطن خفى محجوب . والند : المثل . والعادلون بك : الذين جعلوا لك عديلا ونظيرا . ونحلوك : أعطوك ، وهي النحلة ، وروى : ( لم يعقد ) على ما لم يسم فاعله . وغيب ضميره ، بالرفع . والقرائح : جمع قريحة ، وهي القوة التي تستنبط بها المعقولات ، وأصله من قريحة البئر ، وهو أول مائها . ومعنى هذا الفصل أنه عليه السلام شهد بأن المجسم كافر ، وأنه لا يعرف الله ، وأن من شبه الله بالمخلوقين ذوي الأعضاء المتباينة ، والمفاصل المتلاحمة ، لم يعرفه ولم يباشر قلبه اليقين ، فإنه لا ند له ولا مثل ، ثم أكد ذلك بآيات من كتاب الله تعالى ، وهي قوله تعالى : ( فكبكبوا فيها هم والغاوون . وجنود إبليس أجمعون . قالوا وهم فيها يختصمون . تالله إن كنا لفي ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين ) ( 1 ) . حكى سبحانه حكاية قول الكفار في النار ، وهم التابعون للذين أغووهم من الشياطين وهم المتبوعون : لقد كنا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى ، وجعلناكم مثله ، ووجه الحجة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكر على من زعم أن شيئا من الأشياء يجوز تسويته بالباري سبحانه ، فلو كان الباري سبحانه جسما مصورا ، لكان مشابها لسائر الأجسام المصورة ، فلم يكن لانكاره على من سواه بالمخلوقات معنى . ثم زاد عليه السلام في تأكيد هذا المعنى ، فقال : ( كذب العادلون بك ، المثبتون لك نظيرا وشبيها ، يعنى المشبهة والمجسمة ، إذ قالوا : إنك على صورة آدم ، فشبهوك بالأصنام التي
--> ( 1 ) سورة الشعراء 94 - 98 .