ابن أبي الحديد
412
شرح نهج البلاغة
ألا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه ، ثم يوقع الفعل مشابها له ، فالمحتذي عالم في الجملة ، ولكن علمه يحدث شيئا فشيئا . فأما معنى الفصل فظاهر ، يقول عليه السلام : إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه ولا قدم له غيره ليحتذى عليه ، وأرانا من عجائب صنعته ومن اعتراف الموجودات كلها ، بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته ، ما دلنا على معرفته ضرورة ، وفى هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر ، ولما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غنية عنه سبحانه ، بل كانت فقيرة إليه ، لأنها لولاه ما بقيت ، فهو سبحانه غنى عن كل شئ ، ولا شئ من الأشياء مطلقا بغنى عنه سبحانه ، وهذه من خصوصية الإلهية ، وأجل ما تدركه العقول من الانظار المتعلقة بها . فإن قلت : في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبى عثمان ، في أن معرفته تعالى ضرورية . قلت : يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك ، إلا أنه غير دال عليه ، لأنه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار ، ولكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة ، لا إلى المعرفة . ثم قال عليه السلام : ( وظهرت آثار صنعته ، ودلائل حكمته في مخلوقاته فكانت وهي صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده وربوبيته سبحانه ، وإلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال : فوا عجبا كيف يعصى الاله * أم كيف يجحده الجاحد وفى كل شئ له آية * تدل على أنه واحد .