ابن أبي الحديد

409

شرح نهج البلاغة

ارتجالا في مسماها الذي عبر عنه بها أرباب النظر الإلهي ، كما استعملوا لفظ الجوهر والعرض وغيرهما في غير ما كان أهل العربية واللغة يستعملونها فيه . وأما منعهم إضافتها إليه تعالى ، وأنه لا يقال : ( ذاته ) ، لان الشئ لا يضاف إلى نفسه فباطل بقولهم : أخذته نفسه وأخذته عينه ، فإنه بالاتفاق جائز ، وفيه إضافة الشئ إلى نفسه . ثم نعود إلى التفسير : قوله عليه السلام : ردعها ، أي كفها . وتجوب ، أي تقطع ، والمهاوي : المهالك ، الواحدة مهواة بالفتح ، وهي ما بين جبلين أو حائطين ونحو ذلك . والسدف : جمع سدفة ، وهي القطعة من الليل المظلم . وجبهت ، أي ردت ، وأصله من جبهته ، أي صككت جبهته . والجور : العدول عن الطريق . والاعتساف : قطع المسافة على غير جادة معلومة . وخلاصة هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرك متى ينقطع اقتداره على المقدرات نكصت عن ذلك ، لأنه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى ، وإذا حاول الفكر الذي قد صفا وخلا عن الوساوس والعوائق أن يدرك مغيبات علمه تعالى كل وحسر ورجع ناقصا أيضا ، وإذا اشتد عشق النفوس له ، وتولهت نحوه لتسلك مسلكا تقف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك ، وإذا تغلغلت العقول ، وغمضت مداخلها في دقائق العلوم النظرية الإلهية التي لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى ، انقطعت وأعيت وردها سبحانه وتعالى وهي تجول وتقطع ظلمات الغيب ، لتخلص إليه فارتدت حيث جبهها وردعها ، مقرة معترفة بأن إدراكه ومعرفته لا تنال باعتساف المسافات التي بينها وبينه ، وإن أرباب الأفكار والرويات يتعذر عليهم أن يخطر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته ، ولا بد من أخذ هذا القيد في الكلام ، لان أرباب الانظار لا بد أن تخطر لهم