ابن أبي الحديد

410

شرح نهج البلاغة

الخواطر في تقدير جلال عزته ، ولكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج ، لأنها خواطر مستندها الوهم لا العقل الصريح ، وذلك لان الوهم قد ألف الحسيات والمحسوسات ، فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك ، وجلال واجب الوجود أعلى وأعظم من أن يتطرق الوهم نحوه ، لأنه برئ من المحسوسات سبحانه ، وأما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدم . واعلم أن قوله تعالى : ( فارجع البصر هل ترى من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) ( 1 ) فيه إشارة إلى هذا المعنى ، وكذلك قوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه ) ( 2 ) . * * * الأصل : الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معبود كان قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، فظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته ، وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ، ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا ، فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة .

--> ( 1 ) سورة الملك 3 ، 4 . ( 2 ) سورة البقرة 255 .