ابن أبي الحديد

396

شرح نهج البلاغة

الشرح : يجوز نقمة ونقمة ، مثل كلمة وكلمة ، ولبنة ولبنة ، ومعنى الكلام أنه مع كونه واسع الرحمة في نفس الامر ، وأنه أرحم الراحمين ، فإنه شديد النقمة على أعدائه ، ومع كونه عظيم النقمة في نفس الامر وكونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لأوليائه . وعازه ، أي غالبه ، وعزه أي غلبه ، ومنه ( وعزني في الخطاب ) ( 1 ) ، وفى المثل ( من عز بز ) أي من غلب سلب . والمدمر : المهلك ، دمره ودمر عليه بمعنى ، أي أهلكه . وشاقه : عاداه ، قيل إن أصله من الشق وهو النصف ، لان المعادي يأخذ في شق والمعادي في شق يقابله . وناواه ، أي عاداه ، واللفظة مهموزة ، وإنما لينها لأجل القرينة السجعية ، وأصلها ناوأت الرجل مناوأة ونواء ، ويقال في المثل : ( إذا ناوأت الرجل فاصبر ) . قوله : ( زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ) من الكلام الفصيح النادر اللطيف ، يقول : اعتبروا أعمالكم وأنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط ، قبل أن يكون هذا الاعتبار فعل غيركم وأنتم لا تقتدرون على استدراك الفارط ، ومثله قوله : ( وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ) . ثم قال : ( وتنفسوا قبل ضيق الخناق ) ، أي انتهزوا الفرصة ، واعملوا قبل أن يفوتكم الامر ، ويجد بكم الرحيل ويقع الندم ، قال الشاعر : اختم وطينك رطب إن قدرت فكم * قد أمكن الختم أقواما فما ختموا . ثم قال : ( وانقادوا قبل عنف السياق ) ، هو العنف بالضم ، وهو ضد الرفق ، يقال عنف عليه وعنف به أيضا ، والعنيف : الذي لا رفق له بركوب الخيل ، والجمع عنف . واعتنفت الامر ، أي أخذته بعنف ، يقول : انقادوا أنتم من أنفسكم قبل أن تقادوا وتساقوا

--> ( 1 ) سورة ص 23 .