ابن أبي الحديد

395

شرح نهج البلاغة

كما آذن قوله سبحانه : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) ( 1 ) بذلك . ويمكن أن يعنى به حركاتهم وتصرفاتهم . وروى : ( وعدد أنفاسهم ) على الإضافة . وخافية الأعين : ما يومى به مسارقة وخفية . ومستقرهم ، أي في الأرحام . ومستودعهم ، أي في الأصلاب ، وقد فسر ذلك فتكون ( من ) متعلقة بمستودعهم ومستقرهم على إرادة تكررها ، ويمكن أن يقال : أراد مستقرهم ومأواهم على ظهر الأرض ومستودعهم في بطنها بعد الموت ، وتكون ( من ) هاهنا بمعنى ( مذ ) أي مذ زمان كونهم في الأرحام والظهور إلى أن تتناهى بهم الغايات ، أي إلى أن يحشروا في القيامة ، وعلى التأويل الأول يكون تناهى الغايات بهم عبارة عن كونهم أحياء في الدنيا . * * * الأصل : هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته ، واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ، قاهر من عازه ، ومدمر من شاقه ، ومذل من ناواه ، وغالب من عاداه ، من توكل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جزاه . عباد الله ، زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وتنفسوا قبل ضيق الخناق ، وانقادوا قبل عنف السياق ، واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر ، لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ . * * *

--> ( 1 ) سورة الأنعام 59 .