ابن أبي الحديد

393

شرح نهج البلاغة

الأول ، لأنه إذا لم يكن العالم مخلوقا بعد لم يصدق عليه أنه قائم بأمره إلا بالقوة لا بالفعل ، كما يصدق عليه أنه سميع بصير في الأزل ، أي إذا وجدت المسموعات والمبصرات سمعها وأبصرها ، ولو سمى قبل خلق الكلام متكلما على هذا التفسير لم أستبعده ، وإن كان أصحابنا يأبونه . والأبراج : الأركان في اللغة العربية . فإن قلت : فهل يطابق هذا التفسير ما يعتقده أصحاب الهيئة وكثير من الحكماء والمتكلمين أن السماء كرة لا زاوية فيها ولا ضلع ؟ قلت : نعم لا منافاة بين القولين ، لان الفلك وإن كان كرة لكن فيه من المتممات ما يجرى مجرى أركان الحصن أو السور ، فصح إطلاق لفظة الأبراج عليه ، والمتممات أجسام في حشو الفلك تخف في موضع ، والناس كلهم أثبتوها . فإن قلت : فهل يجوز أن يحمل لفظ الأبراج على ما يعتقده المنجمون وأهل الهيئة ، وكثير من الحكماء والمتكلمين من كون الفلك مقسوما باثني عشر قسما ، كل قسم منها يسمى برجا ؟ قلت : لا مانع من ذلك ، لان هذا المسمى كان معلوما متصورا قبل نزول القرآن ، وكان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللفظ بإزائه ، فجاز أن ينزل القرآن بموجبه ، قال تعالى : ( والسماء ذات البروج ) ( 1 ) ، وأخذها علي عليه السلام منه ، فقال : ( إذ لا سماء ذات أبراج ) ، وارتفع ( سماء ) لأنه مبتدأ وخبره محذوف ، وتقديره ( في الوجود ) . ثم قال : ( ولا حجب ذات أرتاج ) والإرتاج مصدر أرتج أي أغلق ، أي ذات أغلاق ، ومن رواه ( ذات رتاج ) على ( فعال ) ، فالرتاج الباب المغلق ، ويبعد رواية من رواه

--> ( 1 ) سورة البروج 1 .