ابن أبي الحديد
387
شرح نهج البلاغة
( 88 ) الأصل ومن خطبة له عليه السلام : أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الأمم ، واعتزام ( 1 ) من الفتن انتشار من الأمور ، وتلظ من الحروب ، والدنيا كاسفة النور ، ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، وإعوار ( 2 ) من مائها . قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الردى ، فهي متجهمة لأهلها ، عابسة في وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السيف . فاعتبروا عباد الله ، واذكروا تيك التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون ، ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ، وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد . والله ما أسمعكم الرسول شيئا إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ، ولا شقت لهم الابصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الزمان ، إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان ، ووالله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به وحرموه ، ولقد نزلت بكم البلية جائلا خطامها ، رخوا بطانها ، فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود . * * *
--> ( 1 ) مخطوطة النهج : ( واعترام ) . ( 2 ) مخطوطة النهج ( واغورار ) .