ابن أبي الحديد

381

شرح نهج البلاغة

وكذلك قوله : ( ووقفتكم على حدود الحلال والحرام ) من باب الاستعارة أيضا ، مأخوذ من حدود الدار وهي الجهات الفاصلة بينها وبين غيرها . قوله : ( وألبستكم العافية من عدلي ) استعارة فصيحة ، وأفصح منها قوله : ( وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ) ، أي جعلته لكم فراشا ، وفرش هاهنا : متعد إلى مفعولين ، يقال : فرشته كذا أي أوسعته إياه . ثم نهاهم أن يستعملوا الرأي فيما ذكره لهم من خصائص العترة وعجائب ما منحها الله تعالى ، فقال : ( إن أمرنا أمر صعب لا تهتدي إليه العقول ، ولا تدرك الابصار قعره ، ولا تتغلغل الأفكار إليه . والتغلغل : الدخول ، من تغلغل الماء بين الشجر ، إذا تخللها ودخل بين أصولها . * * * الأصل ومنها : حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بنى أمية ، تمنحهم درها . وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمة سوطها ولا سيفها ، وكذب الظان لذلك ، بل هي مجة من لذيذ العيش يتطعمونها برهة ، ثم يلفظونها جملة . * * * الشرح : معقولة : محبوسة ، بعقال ، كما تعقل الناقة . وتمنحهم : تعطيهم ، والمنح : العطاء ، منح يمنح بالفتح ، والاسم المنحة بالكسر ، واستمنحت زيدا : طلبت منحته . والدر في الأصل : اللبن ، جعل الدنيا كناقة معقولة عليهم تمنحهم لبنها ، ثم استعمل الدر