ابن أبي الحديد

380

شرح نهج البلاغة

فإن قلت : فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعا ؟ قلت : بل ذكره مرفوعا ، ألا تراه قال : ( خذوها عن خاتم النبيين ) ! ثم نعود إلى التفسير فنقول : إنه لما قال لهم ذلك علم أنه قال قولا عجيبا ، وذكر أمرا غريبا ، وعلم أنهم ينكرون ذلك ويعجبون منه ، فقال لهم : فلا تقولوا ما لا تعرفون ، أي لا تكذبوا أخباري ، ولا تكذبوا أخبار رسول الله لكم بهذا فتقولون ما لا تعلمون صحته ، ثم قال : فإن أكثر الحق في الأمور العجيبة التي تنكرونها كإحياء الموتى في القيامة ، وكالصراط والميزان والنار والجنة وسائر أحوال الآخرة ، هذا إن كان خاطب من لا يعتقد الاسلام ، فإن كان الخطاب لمن يعتقد الاسلام ، فإنه يعنى بذلك أن أكثرهم كانوا مرجئة ومشبهة ومجبرة ، ومن يعتقد أفضلية غيره عليه ، ومن يعتقد أنه شرك في دم عثمان ، ومن يعتقد أن معاوية صاحب حجة في حربه أو شبهة ، يمكن أن يتعلق بها متعلق ، ومن يعتقد أنه أخطأ في التحكيم ، إلى غير ذلك من ضروب الخطأ التي كان أكثرهم عليها . ثم قال : ( واعذروا من لا حجة لكم عليه وهو أنا ) ، يقول : قد عدلت فيكم ، وأحسنت السيرة وأقمتكم على المحجة البيضاء ، حتى لم يبق لأحد منكم حجة يحتج بها على ، ثم شرح ذلك ، فقال : ( عملت فيكم بالثقل الأكبر ) يعنى الكتاب و ( خلفت فيكم الأصغر ) يعنى ولديه ، لأنهما بقية الثقل الأصغر ، فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب من ذهب منه أنهما الثقل الأصغر ، وإنما سمى النبي صلى الله عليه وآله الكتاب ، والعترة الثقلين ، لان الثقل في اللغة متاع المسافر وحشمه ، فكأنه صلى الله عليه وآله لما شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى ، جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من منزل إلى منزل ، وجعل الكتاب والعترة كمتاعه وحشمه ، لأنهما أخص الأشياء به . قوله : ( وركزت فيكم راية الايمان ) ، أي غرزتها وأثبتها ، وهذا من باب الاستعارة .