ابن أبي الحديد
379
شرح نهج البلاغة
المباركة دون غيرها ، ولا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ( 1 ) . وعلى الوجه الأول لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فيها ، وإن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد انتزعت منها ونقلت إلى الرفيق الأعلى ، وهذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدرناه أولا من الحذف ، لان الجسد يبلى في القبر إلا قدر ما انتزع منه ونقل إلى محل القدس ، وكذلك أيضا يصدق على الجسد أنه ميت ، وإن كان أصل بنيته لم يمت ، وقد ورد في الخبر الصحيح : ( أن أرواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خضر تدور في أفناء الجنان ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ) ، فإذا جاء هذا في الشهداء فما ظنك بموالي الشهداء وساداتهم ! فإن قلت : فهل يجوز أن يتأول كلامه ، فيقال : لعله أراد بقاء الذكر والصيت ؟ قلت . إنه لبعيد ، لان غيرهم يشركهم في ذلك ، ولأنه أخرج الكلام مخرج المستغرب المستعظم له . فإن قلت : فهل يمكن أن يقال : إن الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله ، لأنه قد ذكره في قوله : ( خاتم النبيين ) فيكون التقدير : أنه يموت من مات منا والنبي صلى الله عليه وآله ليس بميت ، ويبلى من بلى منا والنبي ليس ببال . قلت : هذا أبعد من الأول ، لأنه لو أراد ذلك لقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لا تبليه الأرض ، وإنه الان حي ، ولم يأت بهذا الكلام الموهم ، ولأنه في سياق تعظيم العترة وتبجيل أمرها ، وفخره بنفسه وتمدحه بخصائصه ومزاياه ، فلا يجوز أن يدخل في غضون ذلك ما ليس منه .
--> ( 1 ) سورة آل عمران 169 .