ابن أبي الحديد

378

شرح نهج البلاغة

من مات منا وليس بميت ) ، فليس يصح في القضية الثانية ، وهي حديث البلاء ، لأنها تقتضي أن الأبدان تبلى وذاك الانسان لم يبل ، فأحوج هذا الاشكال إلى تقدير فاعل محذوف ، فيكون تقدير الكلام ، يموت من مات حال موته وليس بميت فيما بعد ذلك من الأحوال والأوقات ، ويبلى كفن من بلى منا وليس هو ببال ، فحذف المضاف كقوله : ( وإلى مدين ) ، أي وإلى أهل مدين ، ولما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه عبر بأحدهما عن الاخر للمجاورة والاشتمال ، كما عبروا عن المطر بالسماء ، وعن الخارج المخصوص بالغائط ، وعن الخمر بالكأس . ويجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى : ( حتى توارت بالحجاب ) ( 1 ) ، و ( فلو لا إذا بلغت الحلقوم ) ( 2 ) . وقول حاتم : ( إذا حشرجت ) ( 3 ) وحذف الفاعل كثير . والوجه الثاني أن أكثر المتكلمين ذهبوا إلى أن للانسان الحي الفعال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة ، وهي أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصح كون الحي حيا ، وجعلوا الخطاب متوجها نحوها ، والتكليف واردا عليها وما عداها من الاجزاء فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الانسان ، وإذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء والأوصياء ، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الاجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأولى ، كما قالة من ذهب إلى قيامة الأنفس والأبدان معا ، فتنعم عنده وتلتذ بضروب اللذات الجسمانية ، ويكون هذا مخصوصا بهذه الشجرة

--> ( 1 ) سورة ص 32 . ( 2 ) سورة الوقعة 83 . ( 3 ) لعمرك ما نغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ديوانه 118 ( من مجموعة خمسة دواوين ) .