ابن أبي الحديد

371

شرح نهج البلاغة

تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل ، مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه ، ولا تجد في كلام أحد من الصحابة ، والتابعين كلمة واحدة من ذلك ، ولا يتصورونه ، ولو فهموه لم يفهموه ، وأنى للعرب ذلك ! ولهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المعقولات ، إليه خاصة دون غيره ، وسموه أستاذهم ورئيسهم ، واجتذبته كل فرقة من الفرق إلى نفسها ، ألا ترى أن أصحابنا ينتمون إلى واصل بن عطاء ، وواصل تلميذ أبى هاشم بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد ، ومحمد تلميذ أبيه علي عليه السلام . فأما الشيعة من الامامية والزيدية والكيسانية ، فانتماؤهم إليه ظاهر . وأما الأشعرية فإنهم بأخرة ينتمون إليه أيضا ، لان أبا الحسن الأشعري تلميذ شيخنا أبى على رحمه الله تعالى ، وأبو علي تلميذ أبى يعقوب الشحام ، وأبو يعقوب تلميذ أبى الهذيل ، وأبو الهذيل تلميذ أبى عثمان الطويل ، وأبو عثمان الطويل تلميذ واصل بن عطاء ، فعاد الامر إلى أن الأشعرية إلى علي عليه السلام . وأما الكرامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتاب المقالات أن أصل مقالتهم وعقيدتهم تنتهي إلى علي عليه السلام من طريقين : أحدهما : بأنهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ ، إلى أن ينتهى إلى سفيان الثوري ، ثم قال : وسفيان الثوري من الزيدية ، ثم سأل نفسه فقال : إذا كان شيخكم الأكبر الذي تنتمون إليه كان زيديا ، فما بالكم لا تكونون زيدية ؟ وأجاب بأن سفيان الثوري رحمه الله تعالى ، وإن أشهر عنه الزيدية ، إلا أن تزيده إنما كان عبارة عن موالاة أهل البيت ، وإنكار ما كان بنو أمية عليه من الظلم ، وإجلال زيد بن علي وتعظيمه ، وتصوينه في أحكامه وأحواله ، ولم ينقل عن سفيان الثوري أنه طعن في أحد من الصحابة .