ابن أبي الحديد

372

شرح نهج البلاغة

الطريق الثاني : أنه عد مشايخهم واحدا فواحدا ، حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب على ، كسلمة بن كهيل ، وحبة العرني ، وسالم بن الجعد ، والفضل بن دكين ، وشعبة ، والأعمش ، وعلقمة ، وهبيرة بن مريم ، وأبي إسحاق الشعبي ، وغيرهم ، ثم قال : وهؤلاء أخذوا العلم من علي بن أبي طالب عليه السلام ، فهو رئيس الجماعة - يعنى أصحابه ، وأقوالهم منقولة عنه ومأخوذة منه . وأما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضا ، مع طعنهم فيه ، لأنهم كانوا أصحابه ، وعنه مرقوا ، بعد أن تعلموا عنه واقتبسوا منه ، وهم شيعته وأنصاره بالجمل وصفين ، ولكن الشيطان ران على قلوبهم ، وأعمى بصائرهم . ثم إنه عليه السلام ذكر حال هذا العارف العادل فقال : ( أول عدله نفى الهوى عن نفسه ) وذلك لان من يأمر ولا يأتمر ، وينهى ، ولا ينتهى ، لا تؤثر عظته ، ولا ينفع إرشاده . ثم شرح ذلك فقال : ( يصف الحق ويعمل به ) ، ثم قال : ( لا يدع للخير غاية إلا أمها ، ولا مظنة إلا قصدها ) وذلك لان الخير لذته وسروره وراحته ، فمتى وجد إليه طريقا سلكها ، ثم قال : ( قد أمكن الكتاب - يعنى القرآن - من زمامه ) ، أي قد أطاع الأوامر الإلهية ، فالقرآن قائده وإمامه ، يحل حيث حل ، وينزل حيث نزل . * * * الأصل : وآخر قد تسمى عالما وليس به ، فاقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف الحق على أهوائه ، يؤمن الناس من العظائم ، ويهون كبير الجرائم ، يقول : أقف عند الشبهات - وفيها وقع ، ويقول : أعتزل البدع - وبينها اضطجع ، فالصورة