ابن أبي الحديد

370

شرح نهج البلاغة

وقوله ( فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه ) ، معادن دينه : الذين يقتبس الدين منهم ، كمعادن الذهب والفضة ، وهي الأرضون التي يلتقط ذلك منها ، وأوتاد أرضه : هم الذين لولاهم لمادت الأرض وارتجت بأهلها ، وهذا من باب الاستعارة الفصيحة ، وأهل هذا العلم يقولون : أوتاد الأرض جماعة من الصالحين ، ولهم في الأوتاد والابدال والأقطاب كلام مشهور في كتبهم . وسادس عشرها : . ن يكون قد ألزم نفسه العدل ، والعدالة : ملكة تصدر بها عن النفس الافعال الفاضلة خلقا لا تخلقا . وأقسام العدالة ثلاثة ، هي الأصول وما عداها من الفضائل فروع عليها : الأولى الشجاعة ، ويدخل فيها السخاء لأنه شجاعة وتهوين للمال ، كما أن الشجاعة الأصلية تهوين للنفس ، فالشجاع في الحرب جواد بنفسه ، والجواد بالمال شجاع في إنفاقه ، ولهذا قال الطائي : أيقنت أن من السماح شجاعة * تدمى وأن من الشجاعة جودا ( 1 ) والثانية : الفقه ، ويدخل فيها القناعة والزهد والعزلة . والثالثة : الحكمة ، وهي أشرفها . ولم تحصل العدالة الكاملة لأحد من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا لهذا الرجل ، ومن أنصف علم صحة ذلك ، فإن شجاعته وجوده ، وعفته وقناعته وزهده ، يضرب بها الأمثال . وأما الحكمة والبحث في الأمور الإلهية ، فلم يكن من فن أحد من العرب ، ولا نقل في جهاد أكابرهم وأصاغرهم شئ من ذلك أصلا ، وهذا فن كانت اليونان وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة ، ينفردون به ، وأول من خاض فيه من العرب علي عليه السلام ، ولهذا

--> ( 1 ) أبو تمام ، ديوانه 1 : 423 .