ابن أبي الحديد
355
شرح نهج البلاغة
وقوله : ( فإنها قليل ) فأخبر عن المؤنث بصيغة المذكر ، إنما معناه فإنها شئ قليل بحذف الموصوف ، كقوله : ( وحسن أولئك رفيقا ) ( 1 ) أي قبيلا رفيقا . ثم قال : ( ولا ترخصوا ) نهى عن الاخذ برخص المذاهب ، وذلك لأنه لا يجوز للواحد من العامة أن يقلد كلا من أئمة الاجتهاد فيما خف وسهل من الأحكام الشرعية . أو لا تساهلوا أنفسكم في ترك تشديد المعصية ، ولا تسامحوها وترخصوا إليها في ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب ، فتهجم بكم على الكبائر ، لان من مرن على أمر تدرج من صغيره إلى كبيره . والمداهنة : النفاق والمصانعة ، والإدهان مثله ، قال تعالى : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) ( 2 ) . إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه ) ، لأنه قد صانها عن العقاب ، وأوجب لها الثواب ، وذلك غاية ما يمكن من نصيحتها ونفعها . وإن أغش الناس لنفسه أعصاهم لربه ) ، لأنه ألقاها في الهلاك الدائم ، وذلك أقصى ما يمكن من غشها والاضرار بها . ثم قال : ( والمغبون من غبن نفسه ) أي أحق الناس أن يسمى مغبونا من غبن نفسه ، يقال غبنته ، في البيع غبنا ، بالتسكين ، أي خدعته ، وقد غبن فهو مغبون ، وغبن الرجل رأيه بالكسر غبنا بالتحريك فهو غبين ، أي ضعيف الرأي ، وفيه غبانة . ولفظ الغبن يدل على أنه من باب غبن البيع والشراء ، لأنه قال : ( والمغبون ) ولم يقل : ( والغبين ) . والمغبوط : الذي يتمنى مثل حاله ، والذي يتمنى زوال حاله وانتقالها هو الحاسد ،
--> ( 1 ) سورة النساء 69 . ( 2 ) سورة القلم 9 .