ابن أبي الحديد
354
شرح نهج البلاغة
واعلموا أن يسير الرياء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للايمان ، ومحضرة للشيطان . جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان . الصادق على شفا منجاة وكرامة ، والكاذب على شرف مهواة ومهانة . ولا تحاسدوا ، فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب ، ولا تباغضوا فإنها الحالقة ، واعلموا أن الامل يسهى العقل ، وينسى الذكر . فأكذبوا الامل فإنه غرور ، وصاحبه مغرور . * * * الشرح : قوله : ( فاستدركوا بقية أيامكم ) ، يقال : ( استدركت ما فات وتداركت ما فات ) ، بمعنى ( واصبروا لها أنفسكم ) : مأخوذ من قوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) ( 1 ) ، يقال : ( صبر فلان نفسه على كذا ) أي حبسها عليه . يتعدى فينصب ، قال عنترة : فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع ( 2 ) أي حبست نفسا عارفة . وفى الحديث النبوي في رجل أمسك رجلا وقتله الاخر ، فقال عليه السلام : ( اقتلوا القاتل واصبروا الصابر ) ، أي احبسوا الذي أمسكه حتى يموت . والضمير في ( فإنها قليل ) عائد إلى الأيام التي أمرهم باستدراكها . يقول : إن هذه الأيام التي قد بقيت من أعماركم قليلة ، بالنسبة والإضافة إلى الأيام التي تغفلون فيها عن الموعظة .
--> ( 1 ) سورة الأنعام 52 . ( 2 ) يذكر حربا كان فيها . اللسان 6 : 107 .