ابن أبي الحديد
330
شرح نهج البلاغة
والثناء عليه ، لأنهم لو وجدوا عيبا غير ذلك لذكروه ، ولو بالغ أمير المؤمنين وبذل جهده في أن يثنى أعداؤه وشانئوه عليه من حيث لا يعلمون ، لم يستطع إلى أن يجد إلى ذلك طريقا ألطف من هذه الطريق التي أسلكهم الله تعالى فيها ، وهداهم إلى منهاجها ، فظنوا أنهم يغضون منه ، وإنما أعلوا شأنه ، ويضعون من قدره ، وإنما رفعوا منزلته ومكانه . * * * [ أقوال وحكايات في المزاح ] ونحن نذكر من بعد ، ما جاء في الأحاديث الصحاح والآثار المستفيضة ، المتفق على نقلها مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومزاح الاشراف والأفاضل والأكابر من أصحابه والتابعين له ، ليعلم أن المزاح إذا لم يخرج عن القاعدة الشرعية لم يكن قبيحا . فأول ذلك ما رواه الناس قاطبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ( إني أمزح ، ولا أقول إلا حقا ) . وقيل لسفيان الثوري : المزاح هجنة ؟ فقال : بل هو سنة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إني أمزح ولا أقول إلا الحق ) . وجاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لامرأة من الأنصار : ( الحقي زوجك فإن في عينه بياضا ) ، فسعت نحوه مرعوبة ، فقال لها : ما دهاك ؟ فأخبرته ، فقال : نعم إن في عيني بياضا لا لسوء ، فخفضي عليك . فهذا من مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله . وأتت عجوز من الأنصار إليه عليه السلام ، فسألته أن يدعو الله تعالى لها بالجنة ، فقال : ( إن الجنة لا تدخلها العجز ) ، فصاحت ، فتبسم عليه السلام ، فقال : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ) ( 1 ) .
--> ( 1 ) سورة الواقعة 35 .