ابن أبي الحديد

329

شرح نهج البلاغة

بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل ، ولا ندد به صديق وعدو ، وإنما أراد سهولة خلقه لا غير ، وظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف إن ولى أمر الأمة ، لاعتقاده أن قوام هذا الامر إنما هو بالوعورة ، بناء على ما قد ألفته نفسه ، وطبعت عليه سجيته ، والحال في أيام عثمان وأيام ولايته عليه السلام الامر ، كالحال فيما تقدم ، في أنه لم يظهر منه دعابة ، ولا مزاح يسمى الانسان لأجله ذا دعابة ولعب . ومن تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول ، وعرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا ، وزاد عليها أنه كثير اللعب ، يعافس النساء ويمارسهن ، وأنه صاحب هزل . ولعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك ، وأي وقت كان يتسع لعلى عليه السلام حتى يكون فيه على هذه الصفات ؟ فإن أزمانه كلها في العبادة والصلاة ، والذكر والفتاوى والعلم ، واختلاف الناس إليه في الاحكام وتفسير القرآن ، ونهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم ، وليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة . هذا في أيام سلمه ، فأما أيام حربه فبالسيف الشهير ، والسنان الطرير ، وركوب الخيل ، وقود الجيوش ، ومباشرة الحروب . ولقد صدق عليه السلام في قوله : ( إنني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ) ، ولكن الرجل الشريف النبيل ، الذي لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيبا أو يعدوا عليه وصمة ، لابد أن يحتالوا ويبذلوا جهدهم في تحصيل أمر ما وإن ضعف ، يجعلونه عذرا لأنفسهم في ذمه ، ويتوسلون به إلى أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته ، والانحراف عنه ، وما زال المشركون والمنافقون يصنعون لرسول الله صلى الله عليه وآله الموضوعات ، ينسبون إليه ما قد برأه الله عنه من العيوب والمطاعن ، في حياته وبعد وفاته إلى زماننا هذا ، وما يزيده الله سبحانه إلا رفعة وعلوا فغير منكر أن يعيب عليا عليه السلام عمرو بن العاص وأمثاله من أعدائه ، بما إذا تأمله المتأمل ، علم أنهم باعتمادهم عليه وتعلقهم به ، قد اجتهدوا في مدحه