ابن أبي الحديد

324

شرح نهج البلاغة

أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت ، لفزت . ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فقد صرت كالمنخنق بين السماء والأرض ، لا أرقي بيدين ، ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي . فقال ابن عباس : هيهات أبا عبد الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا تشاء أن تبلى إلا بليت ( 1 ) ، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم ؟ فقال عمرو على حينها ، من حين ابن بضع وثمانين تقنطني من رحمة ربى . اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك ، فخذ منى حتى ترضى . فقال ابن عباس : هيهات أبا عبد الله ! أخذت جديدا وتعطى خلقا ، قال عمرو : ما لي ولك يا بن عباس ! ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها ( 2 ) ! * * * وروى أبو عمر في كتاب الاستيعاب أيضا عن رجال قد ذكرهم وعددهم : إن عمرا لما حضرته الوفاة ، قال له ابنه عبد الله وقد رآه يبكى : لم تبكي ؟ أجزعا من الموت ؟ قال : لا والله ، ولكن لما بعده . فقال له : لقد كنت على خير ، فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفتوحه بالشام ، فقال له عمرو : تركت أفضل من ذلك : شهادة أن لا إله إلا الله ، إني كنت على ثلاثة أطباق ، ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه ، كنت أول أمري كافرا ، فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه ، فلو مت حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه ، كنت أشد الناس حياء منه ، فما ملأت منه عيني قط ، فلو مت يومئذ قال الناس : هنيئا لعمرو ! أسلم وكان على خير ، ومات على خير أحواله ، فسرحوا له بالجنة ، ثم تلبثت بعد ذلك بالسلطان وبأشياء ، فلا أدرى

--> ( 1 ) الاستيعاب : ( أن تبكي إلا بكيت ) . ( 2 ) الاستيعاب 436 .