ابن أبي الحديد
325
شرح نهج البلاغة
أعلى أم لي ؟ فإذا مت فلا تبكين على باكية ، ولا يتبعني نائح ، ولا تقربوا من قبري نارا ، وشدوا على إزاري ، فإني مخاصم ، وشنوا على التراب شنا ، فإن جنبي الأيمن ليس بأحق من جنبي الأيسر ، ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجرا ، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها ، أستأنس بكم ( 1 ) * * * فإن قلت : فما الذي يقوله أصحابك المعتزلة في عمرو بن العاص ؟ قلت : إنهم يحكمون على كل من شهد صفين ، بما يحكم به على الباغي الخارج على الإمام العادل ، ومذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم . فإن قلت : أليس في هذه الأخبار ما يدل على توبته ، نحو قوله : ( ولا مستكبر بل مستغفر ) ، وقوله : ( اللهم خذ منى حتى ترضى ) ، وقوله : ( أمرت فعصيت ، ونهيت فركبت ) . وهذا اعتراف وندم ، وهو معنى التوبة ؟ قلت : إن قوله تعالى : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان ) ( 2 ) يمنع من كون هذا توبة ، وشروط التوبة وأركانها معلومة ، وليس هذا الاعتراف والتأسف منها في شئ . وقال شيخنا أبو عبد الله : أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص ، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الايمان معصية ، ولذلك قال معاوية لمن قال له : حاربت من تعلم ، وارتكبت ما تعلم ، فقال : وثقت بقوله تعالى : ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( 3 ) .
--> ( 1 ) الاستيعاب 436 . ( 2 ) سورة النساء 18 . ( 3 ) سورة الزمر 53 .