ابن أبي الحديد
323
شرح نهج البلاغة
وكتب إليه عمر يسأله عن البحر ، فكتب إليه : خلق عظيم يركبه خلق ضعيف . دود على عود ، بين غرق ونزق . وقال لعثمان وهو يخطب على المنبر : يا عثمان ، إنك قد ركبت بهذه الأمة نهاية من الامر ، وزغت فزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل . ومن كلامه : استوحش من الكريم الجائع ، ومن اللئيم الشبعان ، فإن الكريم يصول إذا جاع ، واللئيم يصول إذا شبع . وقال : جمع العجز إلى التواني فنتج بينهما الندامة ، وجمع الجبن إلى الكسل فنتج بينهما الحرمان . * * * وروى عبد الله بن عباس ، قال : دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر ، فقلت : يا أبا عبد الله ، كنت تقول : أشتهي أنى أرى عاقلا يموت حتى أسأله كيف تجد . قال : أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما ، وأراني كأنما أتنفس من خرق إبرة ، ثم قال : برئ فأعتذر ، ولا قوي فأنتصر ، ولكن لا إله إلا الله ، فجعل يرددها حتى فاض . وقد روى أبو عمر بن عبد البر هذا الخبر في كتاب الاستيعاب ، قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة ، اللهم أمرتني فلم أئتمر ، وزجرتني فلم أنزجر . ووضع يده في موضع الغل ، ثم قال : اللهم لا قوي فأنتصر ، ولا بري فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت . فلم يزل يرددها حتى مات . قال أبو عمر : وحدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثني بن الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، قال : سمعت الشافعي يقول : دخل ابن عباس على عمرو ابن العاص في مرضه ، فسلم عليه ، فقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا ، وأسدت من ديني كثيرا ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي