ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

عظيم في الاسلام ، وهما من أول من أسلم من قريش ، ولهما عبادة وفضل . فغضب للأنصار ، وشتم عمرو بن العاص ، وقال : يا معشر قريش ، إن عمرا دخل في الاسلام حين لم يجد بدا من الدخول فيه ، فلما لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه وإن من كيده الاسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والأنصار . والله ما حاربناهم للدين ولا للدنيا ، لقد بذلوا دماءهم لله تعالى فينا ، وما بذلنا دماءنا لله فيهم ، وقاسمونا ديارهم وأموالهم ، وما فعلنا مثل ذلك بهم ، وآثرونا على الفقر ، وحرمناهم على الغنى ، ولقد وصى رسول الله بهم ، وعزاهم عن جفوة السلطان ، فأعوذ بالله أن أكون وإياكم الخلف المضيع ، والسلطان الجاني . قلت : هذا خالد بن سعيد بن العاص ، هو الذي امتنع من بيعة أبى بكر وقال : لا أبايع إلا عليا ، وقد ذكرنا خبره فيما تقدم . وأما قوله في الأنصار : ( وعزاهم عن جفوة السلطان ) ، فإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وآله : ( ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تقدموا على الحوض ) ، وهذا الخبر هو الذي يكفر كثير من أصحابنا معاوية بالاستهزاء به ، وذلك أن النعمان بن بشير الأنصاري جاء في جماعة من الأنصار إلى معاوية ، فشكوا إليه فقرهم ، وقالوا لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لنا : ( ستلقون بعدي أثرة ) ، فقد لقيناها . قال معاوية : فماذا قال لكم ؟ قالوا : قال لنا ( فاصبروا حتى تردوا على الحوض ) ، قال : فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقونه غدا عند الحوض كما أخبركم ، وحرمهم ولم يعطهم شيئا . قال الزبير : وقال خالد بن سعيد بن العاص في ذلك تفوه عمرو بالذي لا نريده * وصرح للأنصار عن شناة البغض فإن تكن الأنصار زلت فإننا * نقيل ولا نجزيهم القرض بالقرض