ابن أبي الحديد

296

شرح نهج البلاغة

وغشيهم عبد الله بن جعفر ، فأدناه معاوية وقربه ، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من علي عليه السلام جهارا غير ساتر له ، وثلبه ثلبا قبيحا . فالتمع لون عبد الله بن جعفر واعتراه أفكل ( 1 ) حتى أرعدت خصائله ، ثم نزل عن السرير كالفنيق ( 2 ) ، فقال عمرو : مه يا أبا جعفر ! فقال له عبد الله : مه لا أم لك ! ثم قال : أظن الحلم دل على قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم . ثم حسر عن ذراعيه ، وقال : يا معاوية ، حتام نتجرع غيظك ؟ وإلى كم الصبر على مكروه قولك ، وسيئ أدبك ، وذميم أخلاقك ؟ هبلتك الهبول ( 3 ) ! أما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك ، إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عمالا يجوز لك ! أما والله لو عطفتك أواصر الأرحام ، أو حاميت على سهمك من الاسلام ، ما أرعيت بنى الإماء المتك ( 4 ) ، والعبيد الصك أعراض قومك . وما يجهل موضع الصفوة ( 5 ) إلا أهل الجفوة ، وإنك لتعرف وشائظ ( 6 ) قريش وصبوة غرائزها ، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ، ومحاربا أمير المؤمنين ، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه . فاقصد لمنهج الحق ، فقد طال عمهك ( 7 ) عن سبيل الرشد ، وخبطك في بحور ظلمة الغي .

--> ( 1 ) الأفكل : الرعدة ، والخصائل : كل لحمة فيها عصب . ( 2 ) الفنيق : الفعل المكرم الذي لا يؤذي لكرامته . ( 3 ) الهبول ، بالفتح : المرأة الثكول . ( 4 ) المتك : جمع متكاء ، وهي الجارية البظراء وهو مما يسب به . ( 5 ) صفوة القوم : خيارهم . ( 6 ) يقال : هو وشيظة في قومه ، وجمعه وشائظ ، أي حشو فيهم . ( 7 ) ب : ( عماك ) .