ابن أبي الحديد

295

شرح نهج البلاغة

لسانك بعد تلجلجه ، وأضاء وجهك بعد ظلمته ، وطمست لك الشمس بالعهن المنفوش ، وأظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة . فتناوم معاوية وأطبق جفنيه مليا ، فخرج عمرو ، فاستوى معاوية جالسا وقال لجلسائه : أرأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل ؟ ما عليه لو عرض ، ففي التعريض ما يكفي ! ولكنه جبهني بكلامه ، ورماني بسموم سهامه . فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين : إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال : إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه ، وإما أن يكون السائل لئيما فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضى حاجته ، وإما أن يكون المسؤول كريما فيقضيها لكرمه ، صغرت أو كبرت . فقال معاوية : لله أبوك ! ما أحسن ما نطقت ، وبعث إلى عمرو فأخبره ، وقضى حاجته ووصله بصلة جليلة ، فلما أخذها ولى منصرفا . فقال معاوية : ( فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) ( 1 ) فسمعها عمرو ، فالتفت إليه مغضبا وقال : والله يا معاوية ، لا أزال آخذ منك قهرا ، ولا أطيع لك أمرا ، وأحفر لك بئرا عميقا ، إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما ( 2 ) . فضحك معاوية ، فقال : ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة ، وإنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي فاصنع ما شئت . [ عبد الله بن جعفر وعمرو بن العاص في مجلس معاوية ] وروى المدائني قال : بينا معاوية يوما جالسا عنده عمرو بن العاص ، إذ قال الاذن : قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فقال عمرو : والله لأسوأنه اليوم ، فقال معاوية : لا تفعل يا أبا عبد الله ، فإنك لا تنصف منه ، ولعلك أن تظهر لنا من منقبته ما هو خفى عنا ، وما لا نحب أن نعلمه منه .

--> ( 1 ) سورة التوبة 58 . ( 2 ) الرميم : البالي من العظام .