ابن أبي الحديد
273
شرح نهج البلاغة
ثم قال : ( بين أطوار الموتات ) ، وهذا في ظاهره متناقض ، لأنه نفى الموت مطلقا ، ثم قال : ( بين أطوار الموتات ) ، والجواب أنه أراد بالموتات الآلام العظيمة فسماها موتات ، لان العرب تسمى المشقة العظيمة موتا ، كما قال . * إنما الميت ميت الاحياء ( 1 ) . ويقولون : الفقر الموت الأحمر ، واستعمالهم مثل ذلك كثير جدا . ثم قال : ( إنا بالله عائذون ) ، عذت بفلان واستعذت به ، أي التجأت إليه . [ فصل في ذكر القبر وسؤال منكر ونكير ] واعلم أن لقاضي القضاة في كتاب طبقات المعتزلة في باب ( القبر وسؤال منكر ونكير ) كلاما أنا أورد هاهنا بعضه ، قال رحمه الله تعالى : إن عذاب القبر إنما أنكره ضرار بن عمرو ، ولما كان ضرار من أصحاب واصل بن عطاء ، ظن كثير من الناس أن ذلك مما أنكرته المعتزلة ، وليس الامر كذلك ، بل المعتزلة رجلان : أحدهما يجوز عذاب القبر ، ولا يقطع به ، وهم الأقلون ، والاخر يقطع على ذلك ، وهم أكثر أصحابنا لظهور الأخبار الواردة فيه ، وإنما تنكر المعتزلة قول طائفة من الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى ، لان العقل يمنع من ذلك ، وإذا كان الانسان مع قرب العهد بموتة ، ولما يدفن يعلمون أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ، ولا يألم ولا يلتذ ، فكيف يجوز عليه ذلك وهو ميت في قبره ! وما روى من أن الموتى يسمعون لا يصح إلا أن يراد به أن الله تعالى أحياهم ، وقوى حاسة سمعهم ، فسمعوا وهم أحياء .
--> ( 1 ) صدره : * ليس من مات فاستراح بميت * من أبيات قالها ابن الرعلاء الضبابي في يوم عين أباغ . الكامل في التاريخ لابن الأثير 1 : 326