ابن أبي الحديد

274

شرح نهج البلاغة

قال رحمه الله تعالى : وأنكر أيضا مشايخنا أن يكون عذاب القبر دائما في كل حال لان الاخبار إنما وردت بذلك في الجملة ، فالذي يقال به هو قدر ما تقتضيه الاخبار دون ما زاد عليه مما لا دليل عليه ، ولذلك لسنا نوقت في التعذيب وقتا ، وإن كان الأقرب في الاخبار أنها الأوقات المقارنة للدفن ، وإن كان لا نعنيها بأعيانها . هكذا قال قاضى القضاة ، والذي أعرفه أنا من مذهب كثير من شيوخنا قبل قاضى القضاة أن الأغلب أن يكون عذاب القبر بين النفختين . ثم إن قاضى القضاة سأل نفسه ، فقال : إذا كانت الآخرة هي وقت المجازاة ، فكيف يعذب في القبر في أيام الدنيا ؟ وأجاب بأن القليل من العقاب المستحق قد يجوز أن يجعله الله في الدنيا لبعض المصالح ، كما فعل في تعجيل إقامة الحدود على من يستحقها ، فلا يمنع منه تعالى أن يفعل ذلك بالانسان إذا كان من أهل النار . ثم سأل نفسه ، فقال : إذا كان بالموت قد زال عنه التكليف ، فكيف يقولون يكون ذلك من مصالحه ؟ وأجاب بأنا لم نقل : إن ذلك من مصالحه وهو ميت ، وإنما نقول إنه مصلحة أن نعلم في الدنيا ذلك من حال الموتى ، لأنه إذا تصور أنه مات عوجل بضرب من العقاب في القبر ، كان أقرب إلى أن ينصرف عن كثير من المعاصي . وقد يجوز أن يكون ذلك لطفا للملائكة الذين يتولون هذا التعذيب . * * * فأما القول في منكر ونكير ، فإنه سأل نفسه رحمه الله تعالى ، وقال : كيف يجوز أن يسموا بأسماء الذم ، وعندكم أن الملائكة أفضل من الأنبياء ؟