ابن أبي الحديد

259

شرح نهج البلاغة

ثم قال : ( في تركيب صورها ) كأنه قال : مركبه أو مصورة ، فأتى بلفظة ( في ) كما تقول : ركب بسلاحه وفى سلاحه ، أي متسلحا . وقوله : ( بأرفاقها ) ، أي بمنافعها جمع رفق ، بكسر الراء مثل حمل وأحمال ، وأرفقت فلانا ، أي نفعته . والمرفق من الامر : ما ارتفقت به وانتفعت ، ويروى : ( بأرماقها ) والرمق : بقيه الروح . ورائده : طالبه . ومجللات النعم ، تجلل الناس ، أي تعمهم ، من قولهم : ( سحاب مجلل ) أي يطبق الأرض ، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، كقولك : أنا في سابغ ظلك وعميم فضلك ، كأنه قال : في نعمه المجللة ، وكذلك القول في موجبات مننه ، أي في مننه التي توجب الشكر . وفى هاهنا متعلقة بمحذوف ، والموضع نصب على الحال . ثم قال : ( وحواجز عافيته ) ، الحواجز : الموانع ، أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضار . ويروى ( وحواجز بليته ) ، وقد فسر قوله : ( حواجز عافيته ) على أن يراد به ما يحجز العافية ويمنعها عن الزوال والعدم . قوله عليه السلام : ( من مستمتع خلاقهم ) ، الخلاق : النصيب ، قال تعالى : ( وما له في الآخرة من خلاق ) ( 1 ) ، وقال تعالى : ( فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) ( 2 ) ، وتقدير الكلام : خلف لكم عبرا من القرون السالفة ، منها تمتعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم ، ومنها فسحة خناقهم ( 3 ) وطول إمهالهم ، ثم كانت عاقبتهم الهلكة . وأرهقتهم المنايا : أدركتهم مسرعة

--> ( 1 ) سورة البقرة 200 . ( 2 ) سورة التوبة 69 . ( 3 ) الخناق ، بالفتح : حبل يختنق به .