ابن أبي الحديد
209
شرح نهج البلاغة
فأما المكذبون به فقد بلغوا من إنكار صحيحه ورد ظاهره إلى أن قالوا : إنه لا يصح منه شئ أصلا ، ونسبوا أهله إلى الرزق والاحتيال والخداع والتمويه ، فلذلك رأينا أن نبتدئ بتبيين صحة هذه الصناعة ليظهر فساد قول المكذبين لها بأسرها ، ثم نبين ما يمكن إدراكه بها ليبطل دعوى المدعين فيها ما يمتنع وجوده بها . أما الوجوه التي بها تصح صناعة الاحكام فهي كثيرة منها ما يظهر لجميع الناس من قبل الشمس ، فإن حدوث الصيف والشتاء وما يعرض فيهما من الحر والبرد والأمطار والرياح ونبات الأرض ، وخروج وقت الأشجار وحملها الثمار ، وحركة الحيوان إلى النسل والتوالد وغير ذلك ، مما يشاكله من الأحوال ، إنما يكون أكثر ذلك بحسب دنو الشمس من سمت الرؤوس في ناحية الشمال ، وتباعدها منه إلى ناحية الجنوب ، وبفضل قوة الشمس على قوة القمر ، وقوى سائر الكواكب ظهر ما قلنا لجميع الناس . وقد ظهر لهم أيضا من قبل الشمس في تغيير الهواء كل يوم ، عند طلوعها وعند توسطها السماء ، وعند غروبها ما لا خفاء به من الآثار . ومن هذه الوجوه ما يظهر للفلاحين والملاحين بأدنى تفقد للأشياء التي تحدث ، فإنهم يعلمون أشياء كثيرة من الآثار التي يؤثرها القمر وأنوار الكواكب الثابتة ، كالمد والجزر ، وحركات الرياح والأمطار وأوقاتها عند الحدوث ، وما يوافق من أوقات الزراعات وما لا يوافق ، وأوقات اللقاح والنتاج . وقد يظهر من آثار القمر في الحيوان الذي يتوالد في الماء والرطوبات ما هو مشهور لا ينكر . ومنها جهات أخرى يعرفها المنجمون فقط على حسب فضل علمهم ، ودقه نظرهم في هذا