ابن أبي الحديد

210

شرح نهج البلاغة

العلم ، وإذ قد وصفنا على سبيل الاجمال ما يوجب حقيقة هذا العلم ، فإنا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن ، فنقول : لما كانت تغيرات الهواء ، إنما تحدث بحسب أحوال الشمس والقمر والكواكب المتحيرة والثابتة ، صارت معرفة هذه التغيرات قد تدرك من النجوم مع سائر ما يتبعها من الرياح والسحاب والأمطار والثلج والبرد والرعد والبرق ، لان الأشياء التي تلى الأرض وتصل إليها هذه الآثار من الهواء المحيط بها ، كانت الاعراض العامية التي تعرض في هذه الأشياء تابعة لتلك الآثار مثل كثرة مياه الأنهار وقلتها ، وكثرة الثمار وقلتها وكثرة خصب الحيوان وقلته ، والجدوبة والقحط والوباء والأمراض التي تحدث في الأجناس والأنواع ، أو في جنس دون جنس ، أو في نوع دون نوع ، وسائر ما يشاكل ذلك من الاحداث . ولما كانت أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن ، وكانت الاحداث التي ذكرناها مغيرة لمزاج البدن ، صارت أيضا مغيرة للأخلاق ، ولان المزاج الأول الأصلي هو الغالب على الانسان في الامر الأكثر ، وكان المزاج الأصلي هو الذي طبع عليه الانسان في وقت كونه في الرحم ، وفي وقت مولده وخروجه إلى جو العالم صار وقت الكون ووقت المولد أدل الأشياء على مزاج الانسان ، وعلى أحواله التابعة للمزاج ، مثل خلقة البدن ، وخلق النفس والمرض والصحة ، وسائر ما يتبع ذلك ، فهذه الأشياء وما يشبهها من الأمور التي لا تشارك شيئا من الافعال الإرادية فيه مما يمكن معرفته بالنجوم ، وأما الأشياء التي تشارك الأمور الإرادية بعض المشاركة ، فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الامر الأكثر ، وإذا لم يستعمل فيه الإرادة جرى على ما تقود إليه الطبيعة . على أنه قد يعرض الخطاء والغلط لأصحاب هذه الصناعة من أسباب كثيرة ، بعضها يختص بهذه الصناعة دون غيرها ، وبعضها يعمها وغيرها من الصنائع .