ابن أبي الحديد
205
شرح نهج البلاغة
فكيف نعلم استناد حدوثه إلى ذلك الحلول ! فإن في الفلك كواكب لا تحصى ، فما الذي خصص حدوث ذلك الحدوث بحلول ذلك الكوكب في ذلك البرج لا غيره . وبتقدير أن يكون لحلوله تأثير في ذلك فلا يمكن الجزم قبل حلوله بأنه إذا حل في البرج المذكور لا بد أن يحدث ذلك الحادث ، لجواز أن يوجد ما يبطل تأثيره ، نحو أن يحل كوكب آخر في برج آخر ، فيدفع تأثيره ، ويبطل عمله ، أو لعل المادة الأرضية لا تكون مستعدة لقبول تلك الصورة ، وحدوث الحادث ، كما يتوقف على حصول الفاعل يتوقف على حصول القابل ، وإذا وقع الشك في هذه الأمور بطل القول بالجزم بعلم أحكام النجوم ، وهذه الحجة ، جيدة إن كان المنجمون يطلبون القطع في علمهم . فأما إن كانوا يطلبون الظن ، فإن هذه الحجة لا تفسد قولهم . * * * فأما أبو البركات بن ملكا البغدادي صاحب كتاب المعتبر ، فإنه أبطل أحكام النجوم من وجه وأثبته من وجه . قال : أما من يريد تطبيق علم أحكام النجوم على قاعدة العلم الطبيعي فإنه لا سبيل له إلى ذلك ، فإنا لا نتعلق من أقوالهم إلا بأحكام يحكمون بها من غير دليل ، نحو القول بحر الكواكب وبردها أو رطوبتها ، ويبوستها واعتدالها ، كقولهم : إن زحل بارد يابس ، والمشترى معتدل ، والاعتدال خير والافراط شر ، وينتجون من ذلك أن الخير يوجب سعادة ، والشر يوجب منحسة ، وما جانس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين ولم تنتجه مقدماتهم في أنظارهم ، وأنما الذي أنتجته هو أن الاجرام السماوية فعالة فيما تحويه وتشتمل عليه وتتحرك حوله فعلا على الاطلاق غير محدود بوقت ، ولا مقدر بتقدير ، والقائلون بالأحكام ادعوا حصول علمهم بذلك ، من توقيف وتجربة لا يطابق نظر الطبيعي . وإذا قلت بقول الطبيعي بحسب أنظاره أن المشترى سعد ، والمريخ نحس ، أو أن زحل