ابن أبي الحديد
206
شرح نهج البلاغة
بارد يابس والمريخ حار يابس والحار والبارد من الملموسات ، وما دل على هذا المس وما استدل عليه بلمس كتأثيره فيما يلمسه ، فإن ذلك لم يظهر للحس في غير الشمس ، حيث تسخن الأرض بشعاعها ، ولو كان في السمائيات شئ من طبائع الأضداد ، لكان الأولى أن تكون كلها حارة ، لان كواكبها كلها منيرة ومتى يقول الطبيعي بتقطيع الفلك وتقسيمه إلى أجزاء ، كما قسمه المنجمون قسمة وهمية إلى بروج ودرج ودقائق ، وذلك جائز للمتوهم ، كجواز غيره ، وليس بواجب في الوجود ولا حاصل ، فنقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب في أحكامهم ، وكان الأصل فيه على زعمهم حركة الشمس والأيام والشهور ، فحصلوا منها قسمة وهمية وجعلوها كالحاصلة الوجودية المثمرة بحدود وخطوط ، كأن الشمس بحركتها من وقت إلى مثلة خطت في السماء خطوطا ، وأقامت فيها جدرا أو حدودا ، أو غيرت في أجزائها طباعا تغييرا يبقى ، فيتقى به القسمة إلى تلك الدرج والدقائق ، مع جواز الشمس عنها ، وليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز به موضع عن موضع سوى الكواكب ، والكواكب تتحرك عن أمكنتها ، فبقيت الأمكنة على التشابه ، فبماذا تتميز بروجه ودرجه ، ويبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سمتها ؟ وكيف يقيس الطبيعي على هذه الأصول وينتج منها نتائج ، ويحكم بحسبها أحكاما ؟ كيف له أن يقول بالحدود ، ويجعل خمس درجات من برج الكوكب وستا لآخر ، وأربعا لآخر ، ويختلف فيها البابليون والمصريون ، وجعلوا أرباب البيوت كأنها ملاك ، والبيوت كأنها أملاك ، تثبت لأربابها بصكوك وأحكام ، الأسد للشمس والسرطان للقمر ! وإذا نظر الناظر وجد الأسد أسدا من جهة كواكب شكلوها بشكل الأسد ، ثم انقلبت عن مواضعها وبقى الموضع أسدا ، وجعلوا الأسد للشمس ، وقد ذهبت منه الكواكب التي كان بها أسدا ، كأن ذلك الملك بيت للشمس ، مع انتقال الساكن ، وكذلك السرطان للقمر . * * *