ابن أبي الحديد

180

شرح نهج البلاغة

كان ولم يزل ، وهو كائن لا يزول . نعمتك أجل من أن توصف بكلها ، ومجدك أرفع من أن يحد بكنهه ، وإحسانك أكبر من أن يشكر على أقله ، فقد أقصرت ساكتا عن تحميدك ، وتهيبت ممسكا عن تمجيدك ، لا رغبة يا إلهي عنك بل عجزا ، ولا زهدا فيما عندك بل تقصيرا ، وها أنا ذا يا إلهي أؤمل بالوفادة وأسألك حسن الرفادة ، فاسمع ندائي ، واستجب دعائي ، ولا تختم عملي بخيبتي ، ولا تجبهني بالرد في مسألتي ، وأكرم من عندك منصرفي ، إنك غير ضائق عما تريد ، ولا عاجز عما تشاء ، وأنت على كل شئ قدير . * * * ومن أدعيته عليه السلام ، وهو من أدعية الصحيفة أيضا : اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون ، ويا من إلى إحسانه يفزع المضطرون ، ويا من لخيفته ينتحب الخاطئون ، يا أنس كل مستوحش غريب ، يا فرج كل مكروب حريب ، يا عون كل مخذول فريد ، يا عائذ كل محتاج طريد ، أنت الذي وسعت كل شئ رحمة وعلما ، وأنت الذي جعلت لكل مخلوق في نعمتك سهما ، وأنت الذي عفوه أعلى من عقابه ، وأنت الذي رحمته أمام غضبه ، وأنت الذي إعطاؤه أكبر من منعه ، وأنت الذي وسع الخلائق كلهم بعفوه ، وأنت الذي لا يرغب في غنى من أعطاه ، وأنت الذي لا يفرط في عقاب من عصاه . وأنا يا سيدي عبدك الذي أمرته بالدعاء . فقال : لبيك وسعديك ! وأنا يا سيدي عبدك الذي أوقرت الخطايا ظهره ، وأنا الذي أفنت ( 1 ) الذنوب عمره ، وأنا الذي بجهله عصاك ، ولم يكن أهلا منه لذلك ، فهل أنت يا مولاي راحم من دعاك فاجتهد في الدعاء ! أم أنت غافر لمن بكى لك ، فأسرع في البكاء ! أم أنت متجاوز عمن عفر لك وجهه ، متذللا ! أم أنت مغن من شكا إليك فقره متوكلا !

--> ( 1 ) ج : ( وأفنت الذنوب عمره ) .