ابن أبي الحديد

181

شرح نهج البلاغة

اللهم فلا تخيب من لا يجد معطيا غيرك ، ولا تخذل من لا يستغنى عنك بأحد دونك . اللهم لا تعرض عنى وقد أقبلت عليك ، ولا تحرمني وقد رغبت إليك ، ولا تجبهني بالرد وقد انتصبت بين يديك . أنت الذي وصفت نفسك بالرحمة ، وأنت الذي سميت نفسك بالعفو ، فارحمني واعف عنى ، فقد ترى يا سيدي فيض دموعي من خيفتك ، ووجيب قلبي من خشيتك ، وانتفاض جوارحي من هيبتك ، كل ذلك حياء منك بسوء عملي ، وخجلا منك لكثرة ذنوبي ، قد كل لساني عن مناجاتك ، وخمد صوتي عن الدعاء إليك ! يا إلهي فكم من عيب سترته على فلم تفضحني ! وكم من ذنب غطيت عليه فلم تشهر بي ! وكم من عائبة ألممت بها فلم تهتك عنى سترها ، ولم تقلدني مكروها شنارها ، ولم تبد على محرمات سوأتها . فمن يلتمس معايبي من جيرتي وحسدة نعمتك عندي ، ثم لم ينهني ذلك حتى صرت إلى أسوأ ما عهدت منى ! فمن أجهل منى يا سيدي برشدك ! ومن أغفل منى عن حظه منك ! ومن أبعد منى من استصلاح نفسه حين أنفقت ما أجريت على من رزقك فيما نهيتني عنه من معصيتك ! ومن أبعد غورا في الباطل ، وأشد إقداما على السوء منى حين أقف بين دعوتك ودعوة الشيطان ، فاتبع دعوته على غير عمى عن المعرفة به ، ولا نسيان من حفظي له ، وأنا حينئذ موقن أن منتهى دعوتك الجنة ، ومنتهى دعوته النار ! سبحانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي ، وأعدده من مكنون أمري ! وأعجب من ذلك أناتك عنى ، وإبطاؤك عن معاجلتي ، وليس ذلك من كرمى عليك ، بل تأتيا منك بي ، وتفضلا منك على ، لان ارتدع عن خطئي ، ولان عفوك أحب إليك من عقوبتي . بل أنا يا إلهي أكثر ذنوبا ، وأقبح آثارا ، وأشنع أفعالا ، وأشد في الباطل تهورا ، وأضعف عند طاعتك تيقظا ، وأغفل لوعيدك انتباها ، من أن أحصى لك عيوبي ، وأقدر على تعديد