ابن أبي الحديد
179
شرح نهج البلاغة
دون مدى كرمك الحاجات ، وامتلأت ببعض جودك أوعية الطلبات ، وتفسخت دون بلوغ نعتك الصفات . فلك العلو الأعلى فوق كل عال ، والجلال الأمجد فوق كل جلال ، كل جليل عندك حقير ، وكل شريف في جنب شرفك صغير . خاب الوافدون على غيرك ، وخسر المتعرضون إلا لك ، وضاع الملمون إلا بك وأجدب المنتجعون إلا من انتجع فضلك ، لأنك ذو غاية قريبة من الراغبين ، وذو مجد مباح للسائلين ، لا يخيب عليك الآملون ، ولا يخفق من عطائك المتعرضون ، ولا يشقى بنقمتك المستغفرون ، رزقك مبسوط لمن عصاك ، وحلمك معرض لمن ناواك ، وعادتك الاحسان إلى المسيئين ، وسنتك الابقاء على المعتدين ، حتى لقد غرتهم أناتك عن النزوع ، وصدهم إمهالك عن الرجوع ، وإنما تأنيت بهم ليفيئوا إلى أمرك ، وأمهلتهم ثقة بدوام ملكك ، فمن كان من أهل السعادة ختمت له بها ، ومن كان من أهل الشقاوة خذلته لها . كلهم صائر إلى رحمتك ، وأمورهم آيلة إلى أمرك لم يهن على طول مدتهم سلطانك ، ولم تدحض لترك معاجلتهم حججك ( 1 ) ، حجتك قائمة ، وسلطانك ثابت ، فالويل الدائم لمن جنح عنك ، والخيبة الخاذلة لمن خاب منك ، والشقاء الأشقى لمن اغتر بك . ما أكثر تقلبه في عذابك ! وما أعظم تردده في عقابك ! وما أبعد غايته من الفرج ! وما أثبطه من سهولة المخرج عدلا من قضائك لا تجور فيه ، وإنصافا من حكمك لا تحيف عليه ، قد ظاهرت الحجج ، وأزلت الاعذار ، وتقدمت بالوعيد ، وتلطفت في الترغيب ، وضربت الأمثال ، وأطلت الامهال ، وأخرت وأنت تستطيع المعاجلة ، وتأنيت وأنت ملئ بالمبادرة . لم تك أناتك عجزا ، ولا حلمك وهنا ، ولا إمساكك لعلة ، ولا انتظارك لمداراة ، بل لتكون حجتك الأبلغ ، وكرمك الا كمل ، وإحسانك الأوفى ، ونعمتك الأتم . كل ذلك
--> ( 1 ) ج : ( برهانك ) .