ابن أبي الحديد
167
شرح نهج البلاغة
يطلب بالمنازعة ما هو حق ، وإن علم أو غلب على ظنه بالإمساك عن طلب حقه أنما يدخل الثلم والوهن عليه خاصة ، ويسلم الاسلام من الفتنة ، وجب عليه أن يغضي ويصبر على ما أتوا إليه من أخذ حقه ، وكف يده ، حراسة للاسلام من الفتنة . فإن قلت : فهلا سلم إلى معاوية وإلى أصحاب الجمل ، وأغضى على اغتصاب حقه حفظا للاسلام من الفتنة ؟ قلت : إن الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام ، لم يكن مقصورا عليه خاصة ، بل كان يعم الاسلام والمسلمين جميعا ، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يصلح لرياسة الأمة وتحمل أعباء الخلافة ، فلم يكن الشرط الذي اشترطه متحققا ، وهو قوله : ( ولم يكن فيه جور إلا على خاصة ) . وهذا الكلام يدل على أنه عليه السلام لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان كانت تتضمن جورا على المسلمين والاسلام ، وإنما كانت تتضمن جورا عليه خاصة ، وأنها وقعت على جهد مخالفة الأولى ، لا على جهة الفساد الكلى والبطلان الأصلي ، وهذا محض مذهب أصحابنا . * * * [ كلام لعلى قبل المبايعة لعثمان ] ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى ، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غير هم . قد روى الناس ذلك فأكثروا ، والذي صح عندنا أنه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويلة ، ولكنه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان وتلكأ هو عليه السلام عن البيعة : إن لنا حقا ، إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى ، في كلام قد ذكره أهل السيرة ، وقد أوردنا بعضه فيما تقدم ، ثم قال لهم : أنشدكم الله ! أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين نفسه ، حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض غيري