ابن أبي الحديد
153
شرح نهج البلاغة
فأقام مروان ومضى عبد الرحمن ، فلما قدم على معاوية دخل إليه وهو يعشي الناس ، فأنشده : أتتك العيس تنفخ في براها * تكشف عن مناكبها القطوع ( 1 ) بأبيض من أمية مضرحي * كأن جبينه سيف صنيع ( 2 ) فقال له معاوية : أزائرا جئت أم مفاخرا مكابرا ؟ فقال : أي ذلك شئت ! فقال : ما أشاء من ذلك شيئا ، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذي عن له ، فقال له : على أي ظهر جئتنا ؟ فقال : على فرس ، قال : ما صفته ؟ قال : أجش هزيم - يعرض بقول النجاشي في معاوية يوم صفين : ونجى ابن حرب سابح ذو علالة * أجش هزيم والرماح دواني ( 3 ) إذا قلت أطراف الرماح تناله * مرته له الساقان والقدمان ( 4 ) فغضب معاوية ، وقال : إلا أنه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب ، ولا هو ممن يتسور على جاراته ، ولا يتوثب بعد هجعة الناس على كنائنه ( 5 ) - وكان عبد الرحمن يتهم بذلك في امرأة أخيه - فخجل عبد الرحمن وقال : يا أمير المؤمنين ، ما حملك على عزل ابن عمك ؟ الخيانة أوجبت ذلك أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته ؟ قال : بل لتدبير استصلحته ، قال : فلا بأس بذلك ، فخرج من عنده فلقى أخاه مروان ، فأخبره بما دار بينه وبين معاوية ، فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن : قبحك الله ، ما أضعفك ! عرضت للرجل بما أغضبه ، حتى إذا انتصر ( 6 )
--> ( 1 ) العيس : النوق البيض ، يخالط بياضها شقرة والبرى : جمع برة ، بضم ففتح ، وهي حلقة تعجل في أنف البعير . والقطوع : جمع قطع ، بالكسر ، وهو الطنفسة تكون تحت الرحل . ( 2 ) المضرحي : السيد الكريم ، والصنيع : السيف المجرب المجلو . ( 3 ) السابح : الفرس السريع . والعلالة : البقية من السير . والأجش : الغليظ الصوت من الانسان ومن الخيل ومن الرعد . والهزيم : الفرس الشديد الصوت . ( 5 ) مرته : استدرت جريه . وفى الأغاني : ( إذا خلت ) . ( 6 ) الأغاني : ( انتصف ) .