ابن أبي الحديد
154
شرح نهج البلاغة
منك أحجمت عنه . ثم لبس حلته ، وركب فرسه ، وتقلد سيفه ، ودخل على معاوية ، فقال له حين رآه وتبين الغضب في وجهه : مرحبا بأبي عبد الملك ! لقد زرتنا عند اشتياق منا إليك ، فقال : [ لا ] ( 1 ) ها الله ، ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا ، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاءنا ، لقد كانت السابقة من بنى عبد شمس لآل أبى العاص ، والصهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، والخلافة منهم ( 2 ) ، فوصلوكم يا بنى حرب وشرفوكم وولوكم ، فما عزلوكم ولا آثروا عليكم ، حتى إذا وليتم وأفضى الامر إليكم أبيتم إلا أثرة وسوء صنيعة ، وقبح قطيعة ، فرويدا رويدا ! فقد بلغ بنو الحكم وبنو بنيه نيفا وعشرين ، وإنما هي أيام قلائل حتى يكملوا أربعين ، ثم يعلم امرؤ ما يكون منهم حينئذ ، ثم هم للجزاء بالحسنى والسوء بالمرصاد . قال أبو الفرج : هذا رمز إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إذا بلغ بنو أبى العاص أربعين رجلا ، اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا ) فكان بنو أبى العاص يذكرون أنهم سيلون أمر الأمة إذا بلغوا هذه العدة . قال أبو الفرج : فقال له معاوية : مهلا أبا عبد الملك ، إني لم أعزلك عن خيانة ، وإنما عزلتك لثلاثة لو لم يكن منهن إلا واحدة لأوجبت عزلك : إحداهن أنى أمرتك على عبد الله بن عامر ، وبينكما ما بينكما ، فلن تستطيع أن تشتفي منه ، والثانية كراهيتك لامرة زياد ، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان ، فلم تعدها . فقال مروان : أما ابن عامر فأنى لا أنتصر منه في سلطاني ، ولكن إذا تساوت الاقدام علم أين موقعه . وأما كراهتي لامرة زيادة فإن سائر بنى أمية كرهوه ، وجعل الله لنا في ذلك الكره خيرا كثيرا . وأما استعداء رملة على عمرو ، فوالله إنه ليأتي على سنة أو أكثر
--> ( 1 ) من الأغاني ، وهاهنا للتنبيه وبعدها حرف قسم ( انظر المغني 1 : 349 ) . ( 2 ) الأغاني : ( فيهم ) .