ابن أبي الحديد
144
شرح نهج البلاغة
( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ( 1 ) . قلت : الصلاة من الله تعالى هي الاكرام والتبجيل ورفع المنزلة ، والصلاة منا على النبي صلى الله عليه وآله هي الدعاء له بذلك ، فقوله سبحانه : ( هو الذي يصلى عليكم ) ( 2 ) أي هو الذي يرفع منازلكم في الآخرة ، وقوله : ( وملائكته ) أي يدعون لكم بذلك . وقيل : جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون التعظيم للمؤمن ورفع المنزلة ، ونظيره قوله ( حياك الله ) أي أحياك الله وأبقاك ، وحييتك أي دعوت لك بأن يحييك ، لأنك لاعتمادك على إجابة دعوتك ووثوقك بذلك ، كأنك تحييه وتبقيه على الحقيقة ، وهكذا القول في قوله سبحانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) . وقد اختلف في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله : هل هي واجبة . أم لا ؟ فمن الناس من لم يقل بوجوبها ، وجعل الامر في هذه الآية للندب . ومنهم من قال : إنها واجبة . واختلفوا في حال وجوبها ، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره ، وفى الحديث : ( من ذكرت عنده فلم يصل على دخل النار وأبعده الله ) ، ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة واحدة ، وإن تكرر ذكره . ومنهم من أوجبها في العمر مرة واحدة ، وكذلك قال في إظهار الشهادتين . واختلف أيضا في وجوبها في الصلاة المفروضة ، فأبو حنيفة وأصحابه لا يوجبونها فيها وروى عن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكتفون - يعنى الصحابة - عنها بالتشهد ، وهو : ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) ، وأوجبها الشافعي وأصحابه . واختلف أصحابه في وجوب الصلاة على آل محمد صلى الله عليه وآله ، فالأكثرون على أنها واجبة ، وأنها شرط في صحة الصلاة .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب 56 ( 2 ) سورة الأحزاب 43