ابن أبي الحديد

142

شرح نهج البلاغة

سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا ( 1 ) وخازن علمك المخزون بالجر صفة ( علمك ) والعلم الإلهي المخزون : هو ما أطلع الله تعالى عليه ورسوله من الأمور الخفية التي لا تتعلق بالأحكام الشرعية كالملاحم وأحكام الآخرة وغير ذلك ، لأن الأمور الشرعية لا يجوز أن تكون مخزونة عن المكلفين . وقوله : ( وشهيدك يوم الدين ) ، أي شاهدك ، قال سبحانه : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ( 2 ) . والبعيث : المبعوث ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) كقتيل وجريح وصريع . ومفسحا مصدر ، أي وسع له مفسحا . وقوله : ( في ظلك ) يمكن أن يكون مجازا ، كقولهم : فلان يشملني بظله ، أي بإحسانه وبره ، ويمكن أن يكون حقيقة ، ويعني به الظل الممدود الذي ذكره الله تعالى ، فقال : ( وظل ممدود . وماء مسكوب ) ( 3 ) . وقوله : ( وأعل على بناء البانين بناءه ) أي اجعل منزلته في دار الثواب أعلى المنازل . وأتمم له نوره ، من قوله تعالى : ( ربنا أتمم لنا نورنا ) ( 4 ) . وقد روى أنه تطفأ سائر الأنوار إلا نور محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يعطى المخلصون ( 5 ) من أصحابه أنوارا يسيرة يبصرون بها مواطئ الاقدام ، فيدعون إلى الله تعالى بزيادة تلك الأنوار وإتمامها ثم إن الله تعالى يتم نور محمد صلى الله عليه وآله ، فيستطيل حتى يملأ الآفاق ، فذلك هو إتمام نوره صلى الله عليه وآله . قوله : ( من ابتعاثك له ) ، أي في الآخرة . مقبول الشهادة ، أي مصدقا فيما يشهد به على أمته وعلى غيرها من الأمم .

--> ( 1 ) ديوانه 3 ، وروايته : ( شربت مع المأمون ) ، وقال في شرحه : ( وكانت قريش تسمى النبي صلى الله عليه وسلم المأمون الأمين ) . ( 2 ) سورة النساء 41 ( 3 ) سورة الواقعة 30 ، 31 ( 4 ) سورة التحريم 8 ( 5 ) ج : ( المكلفون ) .